النسيج المُهندَس يعطي أملاً للأطفال المولودين بمريء "مفقود"

23/03/2026
كاسي مع والديه

تمكّن علماء من مستشفى جريت أورموند ستريت (GOSH) وكلية لندن الجامعية (UCL) من ابتكار أول مريء مُنمّى في المختبر - وهو القناة التي تنقل الطعام -وقد ثبت أنه قادر على استبدال جزء كامل من العضو بأمان واستعادة وظيفته الطبيعية، بما في ذلك البلع، في حيوان نامٍ دون الحاجة إلى تثبيط المناعة.

يمثّل هذا إنجازًا كبيرًا نحو تطوير علاجات تجديدية مخصّصة للأطفال الذين يولدون بحالات مريئية مهدِّدة للحياة، وقد يمهّد الطريق لتطبيقات في مجالات مرضية أخرى.

نشرت الدراسة اليوم في مجلة Nature Biotechnology، وتُظهر لأول مرة أنه يمكن إزالة الخلايا من مريء متبرع من حيوان كبير، ثم إعادة ملئه بخلايا من الحيوان المستقبِل، وزرعه في نموذج حيواني نامٍ لاستعادة الوظيفة دون الحاجة إلى تثبيط المناعة.

تعافت الحيوانات الثمانية المستقبِلة بشكل جيد، وطوّرت عضلات بلع فعّالة لدفع الطعام نحو المعدة، مع اندماج كامل للنسيج المُهندَس خلال ثلاثة أشهر. ولم تكن هناك حاجة لتثبيط المناعة لأن الزراعة طُوّرت باستخدام خلايا الحيوان نفسه ونمت معه.

يُعدّ المريء، المعروف أيضًا بـ"أنبوب الطعام"، ضروريًا للتغذية والنمو. الأطفال الذين يولدون برتق المريء طويل الفجوة (LGOA) لديهم مريء غير متصل، مع فجوة واسعة بين الجزئين العلوي والسفلي. ويُعد مستشفى GOSH من المراكز الرائدة في علاج تشوهات رتق المريء، حيث يُولد نحو 180 طفلًا سنويًا في المملكة المتحدة بهذه الحالة، 10% منهم يعانون من الشكل طويل الفجوة.

لا يستطيع الأطفال المصابون بهذه الحالة البقاء على قيد الحياة دون جراحة، لكن الفجوة غالبًا ما تكون كبيرة جدًا بحيث لا يمكن إغلاقها مباشرة بعد الولادة. لذلك يحتاج الرضع عادةً إلى أنبوب تغذية يُوضع مباشرة في المعدة لضمان حصولهم على التغذية الكافية بينما يضع الفريق الطبي خطة العلاج. الخيارات الجراحية الحالية معقدة وتدخلية للغاية، وقد تشمل إعادة موضعة المعدة أو الأمعاء لسد الفجوة، وهي عمليات كبيرة ترتبط بمضاعفات قصيرة وطويلة الأمد مثل مشاكل التنفس والجهاز الهضمي، إضافة إلى مخاطر غير معروفة على المدى الطويل.

ورغم أن العديد من الأطفال يحققون نتائج جيدة، إلا أن هناك حاجة ماسة لخيارات أفضل تقلل من المضاعفات. وبفضل تمويل كبير من مؤسسة GOSH الخيرية وشركاء آخرين، تم دفع هذا البحث قدمًا لإيجاد حلول أفضل ومنح الأمل لمزيد من العائلات.

أمل للعائلات

كيسي ماكنتاير، طفل يبلغ من العمر عامين من لندن، مليء بالحيوية يحب كلبه ديزي. ولا يمكن ملاحظة أنه خضع لعدد كبير من العمليات في حياته القصيرة.

قالت والدته سيلفيا (38 عامًا):
"أجرينا عدة فحوصات قبل ولادته، وكنا نعلم أن لديه مشكلة في المريء، لكن كان من الصعب تقبّل أنه وُلد مع فقدان 11 سم منه. خضع لعمليات كبيرة متكررة لأننا لم نتمكن من إغلاق الفجوة باستخدام أنسجته. بعد تحويلنا إلى GOSH، خضع لأفضل خيار متاح آنذاك وهو رفع المعدة لسد الفجوة، لكن الطريق كان طويلًا، وما زال يستخدم أنبوب تغذية بينما يتعلم البلع."

وأضافت: "العمليات المتكررة أثرت على أحباله الصوتية، لذلك يعمل على تطوير النطق. وعندما يتمكن من الأكل بشكل كافٍ، سنزيل الأنبوب."

Casey

وقال والده شون (35 عامًا):
"لا يمكن لأحد أن يتخيل أن كيسي قضى نصف حياته في المستشفى. ربما لن يتذكر، لكننا لن ننسى أبدًا. تعلمنا أشياء لم نتخيلها كوالدين، مثل كيفية تغذيته عبر الأنبوب والتعامل مع مكالمات الطوارئ في منتصف الليل."

وأضاف: "بالنظر إليه الآن، هو مذهل ونحن فخورون به. ما فعله الفريق كان أشبه بالمعجزة، لكن فكرة إجراء عملية واحدة مبكرة لزرع مريء وظيفي يمكن أن تغيّر الحياة تمامًا."

 

 

حل تجديدي مخصّص

تبدأ هذه التقنية بإنشاء "هيكل داعم" يعمل كقاعدة أنبوبية للعضو الجديد. يستخدم العلماء مريء حيوان متبرع، نظرًا لتشابهه مع المريء البشري. ومن خلال عملية تُسمى إزالة الخلايا، يتم التخلص من خلايا النسيج مع الحفاظ على بنيته الأساسية.

بعد ذلك، يُعاد ملء هذا الهيكل بخلايا عضلية مأخوذة من الحيوان المستقبِل عبر خزعة صغيرة. تُكثَّر هذه الخلايا في المختبر ثم تُحقن في الهيكل. بعدها يُوضع النسيج في جهاز خاص يضخ سوائل نمو لمدة أسبوع، حيث تستقر الخلايا وتتكيف. تستغرق العملية بأكملها نحو شهرين، وهو ما يتوافق مع الجدول الزمني للعلاج الحالي.

أظهرت التجارب على الحيوانات نتائج مشجعة للغاية. فقد نجت جميع الحيوانات خلال أول 30 يومًا، وبحلول ستة أشهر، تطورت الأنسجة المزروعة لتحتوي على عضلات وأعصاب وأوعية دموية فعالة، مما مكّن المريء الجديد من أداء وظيفته بشكل طبيعي. وتمكنت الحيوانات من الأكل والنمو بشكل طبيعي. ورغم حدوث بعض التضيق، تمت معالجته بنجاح باستخدام المنظار.

إذا تم تطبيق هذه التقنية على البشر، يمكن تخزين هياكل بأحجام مختلفة لاستخدامها حسب الحاجة، مع تخصيصها باستخدام خلايا الطفل نفسه. وهذا سيؤدي إلى زرعات تنمو مع الطفل دون الحاجة إلى أدوية تثبيط المناعة.

 

 

خيار محتمل خلال خمس سنوات

قال البروفيسور باولو دي كوبي:
"المريء عضو معقد للغاية، ولا يمكن زرعه بالطريقة التقليدية. لذلك نحتاج إلى نماذج حيوانية مشابهة للبشر. ومع نجاح هذا البحث، نأمل في تقديم بديل علاجي للأطفال خلال خمس سنوات."

وقال الدكتور ماركو بيليغريني:
"يمكن لتقنيتنا أن تتيح بناء مريء جديد للطفل باستخدام خلاياه، مما يسمح له بالنمو دون رفض مناعي."

وأضافت الدكتورة ناتالي دوركين:
"بعد الزراعة، نمت الأنسجة وبدأت تعمل كأنسجة طبيعية، وهو إنجاز مهم نحو تطبيق العلاج سريريًا."

وأشار البروفيسور دي كوبي إلى أن هذه التقنية تمثل مرحلة جديدة في الطب التجديدي، مشابهة لاستخدام صمامات القلب الحيوانية منذ عقود.

وقالت آويف ريغان من مؤسسة GOSH الخيرية:
"نحن سعداء برؤية نجاح هذا البحث، الذي يمنح الأمل للأطفال المصابين بحالات نادرة ومعقدة تؤثر على حياتهم بشكل كبير."

 

 

الخطوات المستقبلية

يعمل الفريق حاليًا على تحسين العملية لإنتاج أنسجة أطول، وتبسيط التصنيع، وإجراء المزيد من اختبارات السلامة، مع التحضير لتجارب بشرية أولية خلال السنوات الخمس القادمة.