في تعافٍ يحاكي حدوث معجزة: رحلة عز الظافرة إلى هزيمة مرض الإيه إيه دي سي – AADC

عز ذو الإبتسامة التي تخطف القلوب هو طفل ذو عامين من المملكة العربية السعودية. تراقض عز جزلاً وفرحاً على إيقاع أغنية يغنيها والده في لحظةٍ تعبر عن مقدار التعافي الذي وصله بعد رحلة علاجية وصفها والده بالمعجزة، إلا إن تلك اللحظة أيضاً أشاعت جواً دافئاً في جناح بمبلي بمستشفى جريت أورموند ستريت (جوش) إذ لم تكن هذه اللحظة ممكنة من قبل.

 

على الرغم من أن الجلوس بشكل مستقل والتحكم في حركة رأسه والرقص قد تبدو وكأنها إنجازات يومية طبيعية بالنسبة لمعظم الأطفال، إلا أنها كانت أشياء لا يمكن تصورها بالنسبة لعز قبل عدة أسابيع فقط.

عز جالس على كرسي ويداه متشابكتان
عز في مستشفى جريت أورموند ستريت (جوش)

بدأت القصة عندما وُلِد عزّ ولادة طبيعية، وإن كان وزنه حينها أقلَّ بقليل من المتوسط. غمرت السعادة والديه عندما علما حينها أن مؤشراته الحيوية جميعها تقع ضمن المعدل الطبيعي.

بدأت الأمور تتغير عند بلوغه عمر 4 أشهر. يقول والده، فهد، إن ابنه لم يكن يبدي نفس علامات النمو التي يُظهرها أقرانه في نفس العمر، "لم يكن يمد يده للإمساك بالأشياء، ولم يكن قادرًا على التمسك بها عندما تكون قريبة من يديه. كما لم يكن يستطيع الإلتفات بشكل طبيعي، ويبكي باستمرار، وكان مزاجه دائمًا سيئًا."

 

بعد إجراء سلسلة من الفحوصات، أكد الأطباء لوالدي عز أن معظم مؤشرات ابنهم الحيوية طبيعية، وأن ما لاحظوه يُمكن أن يُعزى إلى تأخر طفيف في النمو. يقول فهد إن عز لم يُعانِ حينها من أي صعوبات في التنفس.

تنامي أعراض المرض

عندما بلغ عز عمر سبعة أشهر دخل في مرحلة جديدة من تطور المرض. بدأ يُعاني من صعوبات في التنفس. أصبح والداه يسارعان بالذهاب به إلى المستشفى أسبوعيًا تقريبًا، وفي بعض الأحيان يوميًا. تزايد قلقهما مع تراجع قدرته على البلع، وتحول لون وجهه كما لو كان يعاني من الاختناق. أصبح يتنفس بصعوبة في أحيانٍ كثيرة، وأصبحت نوباته التشنجية أمرًا مُعتادًا. لم يتمكن الأطباء من تحديد السبب الكامن وراء أعراضه. وفي إحدى الأمسيات بعد نوبة مُزمنة، أرسلوا بعض العينات مصحوبة بتقاريره الطبية إلى ألمانيا لمزيد من اليقين حول ما يمكن أن يكون السبب وراء أعراضه.

 

بعد شهرين، وردت الأنباء عن معاناة عز من طفرة في أحد جيناته الوراثية، هذه الطفرة تؤدي إلى نقص في تَخُلق النواقل العصبية الأساسية مثل الدوبامين والسيروتونين. وهذا يحدث في حال الإصابة بمرض يُعرف باسم "عوز إنزيم الديكاربوكسيليز المٌحوِل للأحماض الأمينية العطرية"، أو اختصارًا باسم (إيه إيه دي سي – AADC). 

تقول البروفيسورة مانجو كوريان، استشارية طب الأعصاب لدى الأطفال في مستشفى جريت أورموند ستريت، وأستاذة علم الوراثة العصبية في كلية لندن الجامعية (UCL)، والمتخصصة في رعاية الأطفال الذين يعانون من اضطرابات حركية معقدة، إن الأطفال المصابين بهذه الحالة لديهم قدرة منخفضة على إنتاج مادتين كيميائيتين عصبيتين بالغتي الأهمية في الدماغ.

 

وأضافت قائلةً: "أولاً، السيروتونين والدوبامين مادتان كيميائيتان مهمتان في الدماغ تتحكمان في حركاتنا وعواطفنا وسلوكنا. يتحول الدوبامين أيضًا إلى مواد كيميائية مهمة أخرى، تُسمى الإيبينفرين (الأدرينالين) والنورإيبينفرين (النورأدرينالين)، وهي مواد مهمة جدًا في كيفية تفاعلنا مع الأشياء من حولنا. نتيجةً لعدم القدرة على إنتاج هاتين المادتين الكيميائيتين المهمتين في الدماغ، يعاني هؤلاء الأطفال من تأخر في النمو. غالبًا ما يكون لديهم نمو عصبي ضئيل جدًا أو معدوم، ولا يستطيع معظم الأطفال رفع رؤوسهم، ناهيك عن أي تطور حركي إضافي. كما يعاني معظمهم من حركات غير طبيعية ومعقدة للغاية تُعرف باسم خلل التوتر العضلي (وضعيات الالتواء) والتراقص  الحركي (حركات لا إرادية مفرطة)."

البروفيسورة كوريان تبتسم للكاميرا وخلفها كراسي في قاعة تدريب
البروفيسورة مانجو كوريان

محدودية علاج مرض الإيه إيه دي سي – AADC

كان والدا عزّ في حالة تأهب يومي، يتبادلان نوبات العمل ليلًا ونهارًا لرعاية ابنهما ومن أجل التعامل مع النوبات وصعوبات التغذية والتنفس المختلفة التي كان يُعاني منها كثيرًا.

 

قال فهد: "قمنا بتنظيم وقتنا وعملنا وأعمالنا وكل ما نقوم به لضمان التأكد من تواجدنا عند حدوث أي طارئ حتى نخفف من ألمه أو ننقله إلى المستشفى كما كان يحدث غالبًا. حتى أننا تعلمنا كيفية استخدام أسطوانات الأكسجين، والمحاليل الوريدية، وكيفية جعله يستنشق البخار في المنزل حتى يتنفس بصورة مريحة أكثر".

في زيارة للطبيب خلال إحدى نوبات عز، وكان عمره آنذاك عامًا وثلاثة أشهر، بدأ الطبيب بحثًا على مستوى المملكة عن حالات مماثلة أملًا في فهم حالة عز بشكل أعمق. ووردت الأنباء بأن هنالك ثلاث حالات أخرى تعالجها طبيبة في العاصمة الرياض. عند ذهابهم للطبيبة وبينما كانوا يدخلون إلى عيادتها، ظهرت على عز إحدى الأعراض الأكثر شيوعًا لمرض الإيه إيه دي سي – AADC وبعض اضطرابات الحركة والعصبية الأخرى ، وهو حدوث متلازمة العين الحادة الوخيمة ، أو ما بعرف إختصاراً بأزمة العين (أوو جي سي - OGC)، حيث تنقلب العينان إلى الأعلى وتبقيان هكذا لفترة.

 

"عندما تجذب المحفزات البصرية انتباهه، مثل الأشجار أو الأضواء والأشياء اللامعة، كان عز ينظر إلى الأعلى ليرى ما يحدث، فتظل عيناه مرفوعتين. كان هذا أحد الأمور التي أقلقتنا كثيرًا، وتعلمنا أن نبقى متيقظين لمنع حدوثها." قال فهد.

 

كما هو الحال غالبًا في المملكة العربية السعودية، عندما يتم تحديد حالة معقدة ونادرة، تبحث السلطات عن أفضل سبل العلاج المتاحة. في هذه الحالة تَقرَر أن الخيار الأمثل هو إرسال عز إلى مستشفى جريت أورموند ستريت للأطفال (جوش - GOSH) في لندن.

رحلة العلاج في مستشفى جريت أورموند ستريت

كان عمر عز ٢١ شهرًا عندما وصل إلى مستشفى جريت أورموند ستريت، حيث راجعت البروفيسورة كوريان وفريقها بعناية كل جانب من جوانب حالة عز.

أضافت البروفيسورة كوريان في وصفها لتلك الفترة: "بعد أن التقينا بعز، قضينا بعض الوقت في تأكيد تشخيص حالته. أردنا التأكد تمامًا. لذلك، قمنا بإجراء بعض الفحوصات، وراجعنا جيناته الوراثية، وراجعنا أدويته، وتمكنا من تأكيد تشخيص الإصابة بمرض (عوز إنزيم الديكاربوكسيليز المٌحوِل للأحماض الأمينية العطرية)، أو ال (إيه إيه دي سي – AADC)".

ثم البروفيسورة كوريان وفريقها بإجراء نقاشٍ مُفصّلٍ مع عائلته حول العلاج الجيني، وتحديدًا دواء أبستازا (إيلادوكاجين إيكسيوبارفوفيك) - Upstaza (eladocagene exuparvovec). يهدف العلاج الجيني عموماً إلى معالجة السبب الجذري للحالة من خلال إيصال نسخة عاملة من الجين المُعطّل مباشرةً إلى مناطق مُستهدفة من الدماغ. يوفي هذه الحالة، يُمكّن هذا العلاج خلايا الدماغ من البدء بإنتاج إنزيم ل (إيه إيه دي سي – AADC) المفقود، مما يُساعد على استعادة توازن الدوبامين والسيروتونين. بالنسبة للأطفال، قد يعني هذا تحسّنًا في الحركة، وتنمية مهارات حركية جديدة، وفي بعض الحالات، القدرة على تحقيق إنجازات مُهمّة مثل الجلوس أو الوقوف أو المشي.

 

ومن المفهوم أن العائلة كانت قلقة للغاية، ولكن تم توجيههم بعناية في كل خطوة. تم إرشادهم حول ما هو مطلوب قبل العملية، وما سيحدث خلالها، وما يُمكن توقعه بعدها. أوضحت البروفيسورة كوريان أنها تعتقد أن علاج أبستازا هو الخيار الأمثل لعز.

 

كانت العائلة مُتحمسة جدًا للمضي قدمًا نظرًا لفهمهم لطبيعة مرض ال (إيه إيه دي سي – AADC) وحقيقة أن معظم الأطفال لا يُحققون حتى القدرة على التحكم في الرأس. بعد تلك المناقشة، أُتخِذ القرار بمواصلة العلاج الوراثي/الجيني.

عز على سرير طبي في مستشفى جريت أورموند ستريت (جوش)
عز بعد العملية

وأضافت البروفيسورة كوريان: "قضينا بعض الوقت في العمل على ضمان جاهزية عز للعلاج، والتأكد من قدرته على تحمل التخدير خلال العملية، وكونه من نوع التخدير العام، وعملنا على تحسين صحته قبل العملية، وتحسين دواء ال (إيه إيه دي سي – AADC) الخاص به، ومن ثمَّ أصبح جاهزًا للخضوع للعملية".

خضع عز لعملية جراحية من أجل حقن العلاج الوراثي/ الجيني. تم حفر ثقبين في الجمجمة للوصول إلى مناطق مستهدفة مُخطط لها مسبقًا في خطة علاج دقيقة وضعتها البروفيسور كوريان، والطبيب الجراح أكولينا، وفريق العلاج متعدد التخصصات.

 

يوضح الطبيب الجراح كريستيان أكويلينا، استشاري جراحة الأعصاب لدى الأطفال في مستشفى جريت أورموند ستريت، أنهم يجرون دائمًا عدة مناقشات مع العائلات، وغالبًا في أكثر من مناسبة، قبل إجراء الجراحة.

 

وأضاف: "بطبيعة الحال، قد تشعر العائلات ببعض القلق تجاه العملية الجراحية، لكننا نجلس معهم ونشرح لهم ما نخطط له. نعرض عليهم صور الأشعة ونشرح لهم الفوائد من جهة والمخاطر المحتملة من جهة أخرى. ولأن حقنة علاج أبستازا إجراء آمن للغاية، فإننا نطمئن العائلات ونتخذ جميع الاحتياطات اللازمة لضمان أن تكون العملية آمنة قدر الإمكان ومن أجل أن تتم في أقصر وقت ممكن."

 

ومن ثم تم إدخال عز إلى غرفة العمليات التي أُجريت له فيها الجراحة التي استغرقت 11 ساعة. وأضاف فهد: "عندما أُخُبِرتُ بتفاصيل العملية وكيفية إجرائها، لم تُصدِّق أذناي ما سمعتاه. إنها عملية معقدة للغاية، حيثُ تمكّن الجراحون من حقن العلاج الجيني في الدماغ بدقة ميليمترية."

الطبيب الجراح كريستيان أكويلينا يبتسم للكاميرا في أحد أجنحة مستشفى جريت أورموند ستريت مرتدياً بدلة زرقاء داكنة وقميصاً أزرق.
الطبيب الجراح كريستيان أكويلينا

الرعاية بعد العملية والتعافي في مستشفى جريت أورموند ستريت

يقول فهد، والد عز،  أن عز قبل العلاج كان يُعاني من نوبات شدٍّ عضلي ونوبات صرع تستمر ما بين ست إلى إحدى عشرة ساعة. الآن، و بعد مرور شهرين من الجراحة، لم تحدث له سوى واحدة من تلك النوبات واستمرت لمدة 8 دقائق فقط. "كان الفريق، وحتى البروفيسورة كوريان والطبيب الجراح أكويلينا، ملتزمين بالمتابعة، على مدار الساعة ودون تأخير أو انقطاع. إن البروفيسورة كوريان، كما يجري المثل في بلادي، مثل نار هادية على قمة جبل، إذ قامت بتقييم كل شئٍ طلبته والإستجابة له بسرعة."

 

وأضاف: "شكل الممرضون والأطباء وعلى رأسهم البروفيسورة كوريان هرمًا للرعاية يتابع العملية بدقة ودون هوادة في كل خطوة. لقد رافقت عز في العديد من المستشفيات أسبوعيًا تقريبًا وأحيانًا يوميًا، وهنا يبرز مستشفى جريت أورموند ستريت كمستشفى مميز، كان أي طلب أو ملاحظة بشأن حالة عز اليومية يُقابل بطريقة محترمة ومتعاونة ويتم تقييمه بطريقة احترافية على امتداد رحلة العلاج ن كل الفريق وخاصةً البروفيسورة كوريان، حيث كانت هي والأطباء في فريقها والممرضة المسؤولة يتابعون مع بعضهم البعض فيما بدا أنه هرم متين للغاية. شكراً جزيلاً لهم جميعاً من أعلى الهرم إلى أسفله."

 

الآن بعد العملية وبدلاً من الاستيقاظ في جميع ساعات الليل، ينام عزّ الآن نوماً عميقاً. أصبح قادراً على التمسك بالأشياء المختلفة واللعب بالألعاب التي نجلبها له. بل إنه أصبح يستطيع التمييز بين أصوات أفراد العائلة المختلفين عند الاتصال بهم لطمأنتهم على حالته.

 

"إن الشعور بابني وهو يمسك بيدي -وهو ما لم يكن يستطيع فعله قبل العلاج- ورؤيته يبدأ بالكلام كان مجرد حلم وقد تحقق هذا الآن. أول مرة سمعت فيها كلمة "بابا" من ابني كانت عندما كان في الثانية من عمره. وقد كان شعوراً لا يوصف."

عز يبتسم للكاميرا بينما يحمله والده فهد
عز ووالده فهد

وفي الفترة القادمة تتضمن خطة علاج عِزّ العلاج الطبيعي لمعالجة الآثار التي ربما نتجت عن النوبات المتكررة والشَّد في العضلات الذي مر به قبل الجراحة.

 

قال والده فهد: "مع مرور الأيام ومع العلاج الطبي والعلاج الطبيعي، ستتحسن الأمور إن شاء الله. في رحلة علاجه حتى الآن، تحسنت حركته ونومه ومزاجه وعواطفه. لقد حدث تحول كبير بين ما كان عليه قبل العلاج وما هو عليه الآن. تغير جذري. لقد حدثت معجزةٌ هنا."

ومع استمرار عز في العلاج ومتابعة حالته، تشرق ابتسامته بشكلٍ أكثر وضاءةً من أي وقت مضى. يُعد تقدمه دليلاً على قوة علاج أبستازا، الذي من خلاله أضحى قادراً على تحقيق إنجازات كانت تبدو بعيدة المنال. ولا تزال عائلته متفائلة وعاكفة على رعايته بأفضل ماما هو ممكن، بينما يواصل أطباؤه العمل على دفعه نحو مستقبل آمن.